رحيل محيي الدين اللباد.. مَن أخذ بيد الفن التشكيلي إلى عتبات الكتب
القاهرة: جمال القصاص
شيعت ظهر أمس بالقاهرة جنازة الفنان التشكيلي محيي الدين اللباد أحد رواد فن الكاريكاتور والإخراج الصحافي وتصميمات الأغلفة في مصر والعالم العربي، الذي غيبه الموت أول من أمس «السبت» بمنزله بحي مصر الجديدة عن عمر يناهز السبعين عاما وبعد صراع طويل مع المرض.
شارك في تشييع الجنازة كوكبة من عائلة الفنان الراحل وأصدقائه ومحبيه، ولفيف من الفنانين والكتاب والشعراء، وووري جثمانه بمدافن العائلة بالأزهر.
دشن محيي الدين اللباد ملامح مهمة وأساسية في فن الإخراج الصحافي، اعتمد فيها على التواؤم والانسجام بين مقومات الرسم والفن التشكيلي وفنون الطباعة والغرافيك، فتعامل مع المطبوعة الصحافية من منظور اللوحة التشكيلية الذي يعنى بجماليات الخط واللون والفراغ والمساحة. كما أولى العنصر البصري دورا مهما في جذب القارئ والمتلقي، وفي تنويع جماليات التسويق. كما يعد الفنان الراحل من أكثر الذين أسهموا في تطوير أجندة التصميمات الدعائية في مصر وإكسابها شكلا جماليا مميزا.
تشرّب اللباد الفن وهو طفل صغير، فقد ولد في عام 1940 بالقاهرة في حي مصر القديمة، أحد الأحياء التي تتمتع برائحة تراثية نفاذة، ونبغ في الرسم، وفي تقليد صور الأشياء، وخاصة البيوت والحيوانات والنباتات، وأصبح رساما محترفا للكاريكاتور وهو في المرحلة الثانوية. وبعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1962 عمل رساما للكاريكاتور في مجلتي «روز اليوسف» و«صباح الخير»، ونُشرت رسوماته كذلك في صحف ومجلات عربية أخرى كثيرة. كما عمل في تلك الآونة رساما ومؤلفا لكتب الأطفال في «دار المعارف» وفي مجلة «سندباد» التي أصدرتها الدار.. وشارك في ما بعد في تأسيس عدد من المجلات المتخصصة ودور النشر.. وفي عام 1968، أصبح مديرا للتحرير ومديرا فنيا لمجلة «سمير» الخاصة بالأطفال.. كما شارك في تأسيس دار «الفتى العربي» للنشر، عام 1974.
عن هذا المشوار وأجواء الطفولة يروي اللباد بروح فنان الكاريكاتور الساخر قائلا: «عندما كنت صغيرا، كنا نسكن بقرب جامع السلطان حسن، وكان الترام الذي يمر في الشارع الكبير - عندما يدور بجوار الجامع - يصدر صوتا عظيما. وكان سائق الترام عندي أعظم وأهم رجل في العالم، لأنه يقود هذا الوحش العملاق المهيب - وظللت أتمنى أن أصبح سائق ترام عندما أكبر. وكبرت ولكني لم أتمكن من أن أكون سائق ترام، بل لم أستطع حتى أن أتعلم قيادة السيارات.. لكني تعلمت الرسم وأصبحت مجرد رسام».
احترف اللباد منذ منتصف الستينات فن الغرافيك وعمل مصمما ومديرا فنيا للغرافيك، وهو مصمم مشروع «كتاب في جريدة» وظل يشرف على إصداره لمدة أربع سنوات، كما شارك في تأسيس عدد من دور النشر الخاصة بكتب الأطفال في مصر ولبنان، وله عدة مؤلفات للكبار والصغار صدرت ترجمات لبعضها إلى عدد من اللغات الأوروبية والفارسية واليابانية، ونال عن بعضها جوائز عربية وعالمية، كما شارك في الكثير من المعارض ولجان التحكيم في الكاريكاتور الدولية. من أبرز الجوائز التي نالها جائزة التفاحة الذهبية عام 1989 من بينالي براتسلافا لرسوم كتب الأطفال في سلوفاكيا عن كتابه (كشكول الرسام)، وترجم الكتاب إلى عدة لغات. كما نال عن الكتاب نفسه جائزة الأكتوجون الفرنسية، وصدرت منه طبعات باللغات الفرنسية والألمانية والهولندية، وهو عبارة عن بعض ذكريات بصرية من طفولة الرسام يوجهها إلى الكبار، وبدافع من خبرته واكتشافاته عندما كبر وصار رساما محترفا وصانعا للكتب، يعود فيوجهها بإيقاعات وامضة للصغار.
ترك محيي الدين اللباد للمكتبة العربية مجموعة من الأبحاث والدراسات اللافتة، سواء في مجال الكتابة للأطفال، أو في تناول تاريخ وظواهر الفنون البصرية.. كما كان له حضوره النقدي اللافت وخاصة في تناول الأعمال الفنية وإضاءتها للمتلقي المشاهد بإيقاع يجمع بين العمق والسلاسة، وخفة الدم والروح في الوقت نفسه.
ومن أهم إصداراته سلسلة كتب بعنوان «نظر» تعد مرجعا مهما لمتذوقي الفن التشكيلي والرسوم الكاريكاتورية وفنون الغرافيك المعاصرة في مصر والعالم والعربي والعالم بأسره.
ويذكر للباد أنه كان أول من اقترح إنشاء متحف للكاريكاتور في مصر، يوثق ويعنى بعرض وحفظ الرسوم المطبوعة، وتصميم الصحف والكتب وكل ما هو نادر في هذا المجال.. وظل يتابع الفكرة بحماس ودأب، إلى أن تحققت على يد الفنان محمد عبلة، وافتتح أول متحف للكاريكاتور المصري، قبل عدة سنوات بمدينة الفيوم، بجوار بحيرة قارون التاريخية الشهيرة.